فخر الدين الرازي
2
تفسير الرازي
سورة الجمعة وهي إحدى عشرة آية مدنية بسم الله الرحمن الرحيم * ( يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الاَْرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) * . وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أنه تعالى قال في أول تلك السورة : * ( سبح لله ) * ( الصف : 1 ) بلفظ الماضي وذلك لا يدل على التسبيح في المستقبل ، فقال في أول هذه السورة بلفظ المستقبل ليدل على التسبيح في زماني الحاضر والمستقبل ، وأما تعلق الأول بالآخر ، فلأنه تعالى ذكر في آخر تلك السورة أنه كان يؤيد أهل الإيمان حتى صاروا عالين على الكفار ، وذلك على وفق الحكمة لا للحاجة إليه إذ هو غني على الإطلاق ، ومنزه عما يخطر ببال الجهلة في الآفاق ، وفي أول هذه السورة ما يدل على كونه مقدساً ومنزهاً عما لا يليق بحضرته العالية بالاتفاق ، ثم إذا كان خلق السماوات والأرض بأجمعهم في تسبيح حضرة الله تعال فله الملك ، كما قال تعالى : * ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك ) * ( التغابن : 1 ) ولا ملك أعظم من هذا ، وهو أنه خالقهم ومالكهم وكلهم في قبضة قدرته وتحت تصرفه ، يسبحون له آناء الليل وأطراف النهار بل في سائر الأزمان ، كما مر في أول تلك السورة ، ولما كان الملك كله له فهو الملك على الإطلاق ، ولما كان الكل بخلقه فهو المالك ، والمالك والملك أشرف من المملوك ، فيكون متصفاً بصفات يحصل منها الشرف ، فلا مجال لما ينافيه من الصفات فيكون قدوساً ، فلفظ * ( الملك ) * إشارة إلى إثبات ما يكون من الصفات العالية ، ولفظ * ( القدوس ) * هو إشارة إلى نفي مالا يكون منها ، وعن الغزالي * ( القدوس ) * المنزه عما يخطر ببال أوليائه ، وقد مر تفسيره وكذلك * ( العزيز الحكيم ) * ثم الصفات المذكورة قرئت بالرفع على المدح ، أي هو الملك القدوس ، ولو قرئت بالنصب لكان وجهاً ، كقول العرب : الحمد لله أهل الحمد ، كذا ذكره في " الكشاف " ، ثم في الآية مباحث : الأول : قال تعالى : * ( يسبح لله ) * ولم يقل : يسبح الله ، فما الفائدة ؟ نقول : هذا من جملة ما يجري فيه اللفظان : كشكره وشكر له ، ونصحه ونصح له . الثاني : * ( القدوس ) * من الصفات السلبية ، وقيل : معناه المبارك .